|
الكاتب عبد الرّحمان بدوي |
العنوان النّفس |
الموضوعأفلوطين |
|
ينظر
أفلوطين إلى النّفس الإنسانيّة نفس النّظرة التي كانت لدى أفلاطون، فهو يقول إنّ
النّفس الإنسانيّة كانت تحيا من قبل حياة أبديّة، ثمّ هبطت من هذه الحياة الأبديّة
إلى الحياة الجسميّة البدنيّة. أمّا
العلّة في أنّ النّفس الإنسانيّة قد هبطت إلى العالم الجسماني فإنّها هيّ ذاتها
العلّة التي بها نشأ النّوس كشيء صادر عن الواحد الأوّل، والنّفس
الكلّيّة كشيء صادر عن النّوس.فالنّفس الإنسانيّة تصدر عن النّفس الكلّيّة بنفس
الضّرورة التي تصدر بها النّفس الكلّيّة عن النّوس. وهنا يجب أن يفرّق في داخل
النّفس الكلّيّة، كما قلنا من قبل، بين نفس كلّيّة بالمعنى الحقيقي، وبين عدّة
نفوس تتّصل كلّ نفس منها بفرد في العالم المحسوس بالذّات. فكما أنّ النّفس
الكلّيّة هيّ المصدر بالنّسبة إلى العالم المحسوس ككلّ، فلابدّ أن تفترض
بالنّسبة إلى الأفراد التي تكون العالم المحسوس نفوسا تكون كمصدر بالنّسبة إليه.
وهنا نجد النّفس الكلّيّة ستنقسم إلى قسمين أو تكون ذات طبيعة مزدوجة: فهي من
ناحية تشارك النّفوس في طبيعته وفي مقامه في الوجود، ومن ناحية أخرى ستكون أقرب
إلى البدن، فتكون أبعد ما تكون عن الإتّصاف بصفات النّوس وتكون في الواقع نفسا
شهوانيّة، ولذا يمكن أن تسمّى الأولى باسم النّفس الألاهيّة، والنّفس الثّانية
بالنّفس الشّهوانيّة. ولا
يجب أن يُنظر إلى النّفس عند أفلوطين بوصفها شيئا جسميّا كما فعل الرّواقيّون،
إذ أنّه يكرّس فصولا مهمّة من "التّساعات" من أجل تفنيد هذه
النّظريّة، نظريّة أنّ النّفس، ككلّ شيء في الوجود، جسم، ويستعيض عن هذه الفكرة
بفكرة أنّ النّفس، خصوصا فيما يتّصل بالنّفس الإلاهيّة، روحيّة خالصة، ومن طبيعة
تختلف كلّ الإختلاف عن طبيعة البدن، فهي توجد خارجة عن الزّمان، لأنّها توجد
أبديّة، وهي لا تقبل التّغيّر، لأنّها مستقلّة بنفسها، قائمة بذاتها، دون أن
تكون في حاجة إلى شيء فتزداد، أو يكون منها شيء من خارج زيادة على نفسها فتنقص،
أعني أنّها لا تقبل أيّة درجة من درجات التّغيّر، كما أنّ هذه النّفس لا تحتاج
إلى فكر، إذ لا داعي إلى الإنتقال من شيء إلى شيء، والرّبط بين شيئين، كما هيّ
الحال في الفكر، لأنّ إدراكها وجداني مطلق، وليست في حاجة إلى التّذكّر والخيال،
لأنّها ليست في حاجة إلى أن تتذكّر شيئا ليس أمامها حاضرا، بل كلّ شيء بالنّسبة
لها حاضر، كما هيّ الحال بالنّسبة إلى كلّ شيء إلاهيّ معقول. وهي بالتّالي تتّصف
بكلّ الصّفات التي نسبناها من قبل إلى النّوس، ثمّ نجد أفلوطين من ناحية أخرى
يحمل على المذاهب التي تجعل النّفس شيئا متّصلا، أو متعلّقا بالبدن، ولا وجود
لها إلاّ بوجوده، فهو من ناحية ينكر قول الفيثاغوريّين الذين يقولون إنّ النّفس
إنسجام للبدن، وينكر على أرسطو قوله إنّ النّفس كمال طبيعي لجسم آلي، وذلك لأنّ
هذا المذهب أو ذاك ينظر إلى النّفس على أنّها قائمة بالبدن، أي ليس لها وجود
مستقلّ خالص، ومعنى ذلك أنّه ليست لها طبيعة روحيّة خالصة لا تتعلّق بالبدن،
وإنّما كلّ شيء فيها متوقّف على البدن. وإذا كانت الحال كذلك فسينكر أن يكون لها
وجود سابق على البدن، بل وينكر أن يكون لها خلود. أمّا أفلوطين، فنظرا لأنّه نظر
إلى النّفس، وعلى الأخصّ النّفس الإلاهيّة والجزء الإلاهي من النّفس الإنسانيّة
هذه النّظرة التي أشرنا إليها، فإنّه لم يكن في حاجة إلى أن يبحث طويلا في مسألة
خلود النّفس. فما دامت النّفس مستقلّة قائمة بذاتها، إلهيّة معقولة، فهي
بالضّرورة كانت قبل حلولها في البدن، وستكون بعد مغادرتها للبدن، وخلود النّفس
بالتّالي مؤكّد. من: خريف الفكر اليوناني |
||