الكاتب

عبد الرّحمان بدوي

العنوان

أنواع اللّذّات

الموضوع

أبيقور

 

 

الأصل في كلّ فعل أخلاقي أن يتّجه إلى تحصيل اللّذّة أو تجنّب الألم. ومن الخطأ أن يُظنّ الأمر على خلاف ذلك. ويسخر أبيقور سخرية شديدة من هؤلاء الذين يندفعون وراء أوهام زائفة، هيّ أوهام اتّباع الخير للخير، أو الفضيلة للفضيلة، بصرف النّظر عن كلّ لذّة أو تجنّب الألم. لكنّه سرعان ما ينتقل من هذا القول المطلق إلى مذهبه اللّذّي، على أساس تقسيمه لهذه اللّذّات إلى أنواع ثلاثة: فمن اللّذّات ما هو ضروريّ وخير معا، ومن اللّذّات ما ليس ضروريّا، وإن كان خيرا كذلك، ومن اللّذّات أخيرا ما ليس بخير ولا بضروري.

 

واللّذّات التي من النّوع الأوّل هي النّاتجة عن إشباع الحاجات الأوّليّة للكائن الحيّ، وتنقسم بدورها إلى عدّة لذّات أو إلى نوعين رئيسيين من اللّذّات: لذّات حركيّة، وأخرى سكونيّة. أمّا اللّذّات الحركية فهي التي تحدث أثناء إشباع الرّغبة أو الحاجة، واللّذّات السّكونيّة هي التي تترتّب على الحاجة وقد أشبعت. فالعطشان الذي يجد الماء فيشربه، يشعر بلذّة أثناء شربه؛ وبعد أن ينتهي من الارتواء يشعر بلذّة سكونيّة، هيّ الخلوّ من الحاجة، والخلوّ من الحاجة لذّة سكونيّة، لأنّه ليس ثمّة فعل أو انفعال حقيقيّ من جانب الشّخص الذي يعانيه. وهذه اللّذّات الضرورية الخيرة هي اللّذّات بالمعنى الحقيقي، وكلّ ما عداها من لذّة فقيمته أقلّ بكثير من هذه اللّذّات لأنّها ليست ضروريّة.

 

فالنّوع الثّاني من اللّذّات يتّصف بأنّه غير ضروريّ، بل إنّ الأحرى ألاّ يتبعه الإنسان ما دامت الطّبيعة لم تهيّئه دائما، فمثلا التّأنّق في الملبس، والتّأنّق في المأكل، كلّ هذا ليس بلذّة ضروريّة، وإن كان خيرا لأنّه يحدث لذّة؛ ولهذا كان هذا النّوع الثّاني أقلّ درجة من النّوع الأول، لأنّ الطّبيعة ضنينة كثيرا بتحقيق هذه الرّغبات، أو تحقيقها بطريقة ناقصة غير وفيرة. الأحرى أن يحدث هذا كلّه ألما في النّفس يفوق اللذة التي تشبع جزئيّا عن طريق تحقيق هذه اللّذّات.

 

والنّوع الثّالث ليس ضروريّا ولا خيرا في ذاته. فهو ليس بضروري، لأنّ الميول الطّبيعيّة لا تقصد إليه قصدا ولا تطلبه بوصفه شيئا مكمّلا لنوازع هذه الميول، كما أنّه ليس خيرا لأنّنا قلنا أن اللّذّة التي تحدث ألما أكبر ممّا فيها في ذاتها من خير وتنعّم، تعدّ شرّا لا خيرا. وهذا النّوع الثّالث من اللّذات من شأنه أن يحدث دائما شعورا بالنّقص والحاجة، أي أن يحدث من ناحية الجسم تألّما، ومن ناحية النّفس خلوّا من الطّمأنينة، فهو شرّ إذن، وبالتّالي يجب أن يوضع في المرتبة الأخيرة، إن يكن هو والألم سواء. ومن أمثلة هذا النّوع الثّالث الشّهوة البهيميّة، ثمّ الطّمع أو الطّموح، فإنّنا نجد هذين النّوعين من اللّذّات ليسا بضروريين، لأنّنا لا نشعر بحاجة طبيعيّة أصليّة نحو إشباع هاتين  الحاجتين، وإنّما هو الوهم الذي يخيّل إلينا أنّ من الممكن تجاوز الحدود لتحصيل لذّة أكبر، هو الذي يدفعنا إلى تحصيل لذّة أكبر، أيّ أنّه هو الذي يدفعنا إلى تحصيل هذا النّوع؛ كما أنّ الآلام التي تلازم دائما هذا النّوع أكبر قدرا بكثير جدّا ممّا يتمّ من إشباع، وقتيّ قطعا، لهذه الحاجات غير الضّروريّة ذلك أنّ جوهر كلّ طموح أو طمع أو شهوة بهيميّة، من شأنه أن لا يتحقّق موضوعه باستمرار، لأنّه إذا تحقّق هدف نزع إلى هدف آخر، وإذا تحقّقت رغبة معيّنة، سرعان ما تنشأ رغبة أخرى تصبو نفس المرء إلى تحقيقها. وهكذا نجد باستمرار أنّ الأصل في هذا النّوع أنّه حركيّ يعتريه الفناء في كلّ لحظة من لحظاته لأنّ الأصل فيها لقضاء على ما هو ساكن من أجل تحصيل ما ليس بعد، أعني أنّ حقيقة هذا النّوع التّغيّر والفناء، أو التّغيّر الذي مصدره الفناء. والفناء النّاشئ عن استمرار التّغيّر.

 

من: خريف الفكر اليوناني