الكاتبالمكتب العالمي للبحوث |
العنوانالطّمأنينة |
الموضوعأبيكتات |
|
إنّ
السّعادة هيّ حقيقة الخير المطلق ولكن بقي أمر تحديدها. يعتقد الرّواقيّون أنّهم
بحالة تمكّنهم من هذا التحّديد ورأو أنّ السّعادة هيّ السّلام الدّاخلي،
الطّمأنينة، الإتّزان الأخلاقي لنفس قد رضيت عن ذاتها، ورضيت عن الأشياء. إنّها
هدوء القلب، إنّها ما يسمّيه ديكارت ويسمّيه سبينوزا الغبطة. ومهما يكن من شيء،
فإنّه إذا لم يكن هذا هو السّعادة الكاملة فإنّه على الأقلّ، يحوي أحد عناصرها
الجوهريّة. كيف
الحصول على هذه الحالة التي نتمنّاها جميعا؟ ينبغي
أن ننظر، للإجابة على هذا السّؤال، لا في "موجز" أبيكتات فقط بل في
"أحاديثه" أيضا، ومن ذلك يتبيّن أنّ الرّواقيين رأوا أنّ مبعث
الإضطراب، عند الإنسان أمران: أمّا
أوّلهما، فهو الشّعور بنقص ما فيما نعتبر أنّه بالنّسبة لنا من الشّرف والنّبل،
وأمّا الآخر، فهو تشبّع النّفس برغبات في "أمور لا يقدر لها التّحقّق"
إنّ فنّ السّعادة كلّه، يتركّز في إزالة هذين الباعثين للإضطراب. وما
من شكّ في أنّ إزالة الباعث الأوّل تتعلّق بنا. بل هيّ لا تتعلّق إلاّ بنا. وفي
مقدورنا إزالة هذا الباعث حينما نشاء وكيف نشاء. وفي الواقع، إنّه لا يتعلّق
إلاّ بنا، وأن نبحث، في كلّ الضّروف التي تعرض، عمّا ينسجم مع الشّرف، وأن نقوم
به دون أدنى تردّد " إذا كنت تريد أن تحترم نفسك، وأن تكون شريفا، فمن
يمنعك من ذلك؟" ولعلّك تتساءل من يهديني إلى الصّواب؟ ومن يعرّفني أنّ هذا
ينسجم مع الشّرف؟ على ذلك يجيب أبيكتات: "كيف يشعر الثّور وحده، عند اقتراب
الأسد، بالقوّة التي بين جنبيه، فيلقي بنفسه في مقدّمة القطيع كلّه؟ إنّه من
الواضح أنّه وجد عنده، لأوّل لحظة، شعورا ابلقوّة الطّبيعيّة المسلّح بها. أجل
هكذا الأمر فيما يتعلّق بنا فإنّ كلّ موهوب يعرف ما عنده من هبة". ونحن
عندنا بصيرة تهدينا إلى ما ينسجم مع شرفنا، وليس علينا بجانبها إلاّ أن نستعمل
بعض الوسائل، لنكون أكثر استبصارا وحذقا. ولهذا ينصح أبيكتات باتّخاذ إحتياط
بسيط: "إبحث، لمعرفة ما يجب عمله، العلاقات الطّبيعيّة التي بينك وبين
الآخرين. هذا الشّخص مثلا والدك، فعليك إذن رعايته، والخضوع له في كلّ أمر.
واحتمال ما ينالك منه من شتم ولطم – إنّه أب سيّء الخلق- ليس لك أن تهتمّ بمعرفة
ما إذا كانت الطّبيعة قد منحتك أبا طيّبا. وإنّما عليك فقط، أن تعرف أنّ ما
منحتك إيّاه، إنّما هو أبوك. أخوك غير ادل نحوك. إبحث عن علاقتك الطّبيعيّة به،
لا تفكّر فيما يفعله بك، إنّما فكّر فيما يجب عليك نحوه، لتكون في علاقتك به
منسجما مع الطّبيعة. وبهذه الطّريقة تعرف بوضوح ما ينبغي عليك إذا كان لك جار،
إذا كنت مواطنا، وإذا كنت قائدا حربيّا...". بذلك يزول السّبب الأوّل في ا إضطراب
النّفس وفي جعلها بمنأى عن السّعادة أمّا السّبب الأخير ففي مقدورنا أيضا
إزالته. ولكي
نفهم نظريّة الرّواقيين الخاصّة بذلك فهما واضحا يجب أن ينتبه الإنسان إلى
مبدأين من مبادءهم السّيكولوجيّة: أوّلا:
إنّهم يرون أنّ العواطف لا تخرج
عن كونها أحكاما. وهي أربعة أساسيّة: الحبّ والكراهيّة والأمل والخوف. وكلّها
تؤول إلى آراء. أليس حبّ شيء ما يعني الحكم بأنّه حسن وبأنّه يجب أن يطلب؟ أليس
كره شيء ما يعني الحكم على هذا الشّيء بأنّه سيّء وأنّه يجب أن يتحاشاه؟ أليس
الأمل في شيء معناه الحكم بأنّ ما تعتبره قيّما قد يكون له حظّ في التّحقّق وأنّ
تعتبره سيّئا قد يكون من الممكن تحاشيه؟ أليس الخوف من شيء يعني الحكم بأنّ ما
نعتبره حسنا قد لا يكون له حظّ من التّحقّق وأنّ ما نعتبره سيّئا قد يحدث؟ ليست
العواطف إذن إلاّ أحكاما. ثانيا:
إنّهم يرون أيضا أنّ الإنسان حرّ في أحكامه. فإنّها في الواقع، موافقة النّفس
على أمر ما. هذه الموافقة لنا دائما أن نصدرها وأن نرفضها. حقّا إنّ الأفئدة قد
تأخذ على غرّة لأوّل وهلة، ولكن بمجرّد مرور اللّحظات الأولى يمكن للإنسان أن
يرجع إلى نفسه وأن يستعيد الإتّزان. ما
نتيجة هذا؟ أوّلا:
الحقيقة التّالية: ليست الأشياء هيّ التي تبعث فينل الإضطراب إنّما هو الآراء التي
عندنا عن الأشياء. لنأخذ كمثال الموت، "إنّه ليس مخيفا مرعبا، وإلاّ لرآه
سقراط بهذه الكيفيّة وإذا كان الموت يلوح رهيبا فما ذلك إلاّ لأنّك تتخيّله
كذلك". وفي الواقع أنّي إذا كنت أرى أنّ الموت شرّ فإنّ اقترابه يبعث في
نفسي الضّيق. أمّا إذا كنت أرى الموت خير فإنّ اقترابه يبعث في نفسي السّرور.
وإذا كنت أرى أن الحياة والموت يستويان فإنّي لا أعير الموت أيّة أهمّيّة. ماذا يجب
إذن لتحاشي الإضطراب؟ تنظيم الرّغبات وضبط العواطف ضبطا حكيما واستخدام المعارف
في الصّالح وما دام أنّ العواطف ليست إلاّ أحكاما وآراء، فإنّه يكفي لكي تكون حكيما،
أن تعرف إجادة الحكم. |
||